فرنسا؟... فرنسا تغلي...

اراء :: قبل 2 شهور

هذا اليوم الخميس.. الخامس من كانون الأول 2019... فرنسا تغلي.. إضرابات شاملة بعاصمتها باريس وفي كل المدن الكبرى والمتوسطة والصغيرة... جميع المواصلات والمؤسسات والمستشفيات الحكومية.. متوقفة عن العمل.. بنسب تتراوح من ستين إلى تسعين بالمئة.. وخاصة المدارس والجامعات... ووسائل المواصلة داخل المدن وبين المدان.. وشركات الطيران العالمية ألغت حوالي تسعين بالمئة من رحلاتها العالمية.. وبين المدن الرئيسية الفرنسية... وحتى هذه الساعة الإضراب الشامل.. يتفاقم بكل المدن الرئيسية... الكبيرة والمتوسطة والصغيرة...
الرواتب.. غلاء المعيشة الرهيب.. ومحاولة الحكومة من توحيد نظام التقاعد.. وتمديد نظام سن التقاعد وأمركته.. ودفعه باتجاه أقسى الأنظمة الرأسمالية.. وإلغاء المحاكم التي كانت تنظم الخلافات بين أرباب العمل والعاملين... ويوما بعد يوم منذ انتخاب إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron من سنتين ونصف لرئاسة الجمهورية الفرنسية.. بعد أن كان مستشارا ببنك روتشيلد.. ثم مستشارا بالقصر الجمهوري أيام فرانسوا هولاند.. وبعدها وزيرا للاقتصاد والمالية بآخر وزاراته.. قبل أن تدعمه كبرى المؤسسات الرأسمالية والصناعية والإعلام... حيث دوخ البشر ببراعاته الكلامية والوعودية.. براعة فجر بها غالب الأحزاب اليسارية واليمينية.. موزعا المناصب والوزارات والوعود الخشبية.. مفككا غالب الأنظمة الاجتماعية التي اكتسبتها النقابات المهنية.. واحدة بعد الأخرى.. والتي كانت محمية بقوانين دستورية إثر نهاية الحرب العالمية الثانية... وخاصة بعد إضرابات أيار 1968 التي جمدت كل شيء حوالي ستين يوما.. دامت بها المفاوضات ما بين الحكومة الفرنسية , والتي كان رئيس جمهوريتها شارل ديغول Charles De Gaule... مفاوضات دامت كل شهر حزيران 1968.. حاول بها المضربون بفرنسا كلها... احتلال المؤسسات ونصب المتاريس بالشوارع.. وانقطاع كامل للمحروقات وجميع المواد الضرورية والغذائية.. حصلت بعدها النقابات العمالية والطلابية على جميع مطالبها... وأفضل أنظمة ضمانات الرواتب والعطل الإضافية والتأمين الصحي واختصار ساعات العمل... أيار 1968 كان أجمل فترة للتبادل بين البشر.. وافضل جامعة يسارية.. ومدرسة إنسانية إجتماعية كاملة... وخاصة بالنسبة لي أنا الفرنسي ـ السوري الآتي من بلد لم أعرف بـه أي نظام طيلة فترة العتمات التي عشتها هناك.. وغيرت معتقداتي وعلاقاتي واختيار دراساتي... ورغم العديد من التغيرات السياسية منذ الولاية الثانية للرئيس فرانسوا ميتران François Mitterrand... حيث بدأت تختفي المكاسب الاجتماعية والسياسية للطبقات العاملة.. وهيمنة الحلقات الرأسمالية العولمية المتعددة الجنسيات. على الاقتصاد والإعلام والحكومات الفرنسية المتتالية.. وخاصة أيم ساركوزي وهولاند.. حتى وصلنا إلى مـاكـرون.. أصبحت فرنسا التي تسودها بطالة رهيبة مرعبة.. تعتمها دوما الاحصائيات الحكومية.. والتي تفوق بأشكال مختلفة الثمانية ملايين.. وتجميد الأجور نحو الأسفل..ووجود طبقات عاملة آتية من البلدان الشيوعية التي تفككت وأنهارت.. مع جدار برلين.. طبقات عاملة دخلت حكوماتها الجديدة بالاتحاد الأوروبي.. والذي تدخل بكل الأنظمة الأوروبية.. وجمد وألغى جميع أنظمتها الإنسانية والاجتماعية.. مما ضاعف الفقر والعوز.. وارتفاع غلاء المعيشة والسكن والكهرباء والغاز والماء.. وخاصة العلاج...
كل هذه الضائقات التي تتراكم منذ ثلاثين سنة أو أكثر... تفجرت اليوم بوجه ماكرون.. إثر محاولته المس بنظام سن التقاعد.. عدة سنوات إضافية.. بنفس الوقت إن فقدت امرأة.. أو فقد رجل عمله.. عمرهما حوالي الخمسين سنة.. من أصعب المستحيلات أن يجدا عملا يتوافق مع قدرتهما ومعرفتهما وتجاربهما.. نظرا لتفاقم البطالة.. إذن كيف تريد أن يطبق تمديد العمل لسن الخامسة والستين.. وأكثر.. وأكثر... بالإضافة أن تعويضات البطالة.. مسيو ماكرون.. يخنقها ويضعفها.. ولا تكفي أية عائلة.. بهذه الصعوبات المعيشية اليوم... لهذا السبب سبعون بالمئة من الشعب الفرنسي.. حسب بعض المؤسسات الإحصائية الــحــرة.. تعطي من سبعين لخمسة وسبعين بالمئة من الشعب الفرنسي.. موافقون على هذه الإضرابات العامة هذا اليوم... رغم الصعوبات الإضافية التي سوف تعرقل مسيرة الحياة أو المعيشة اليومية... والتي قد تدوم عدة أيام.. علما أن الحكومة أنزلت للشوارع عشرات آلاف من قوات الأمن.. وقوات مكافحة الإرهاب الاختصاصية... لتطويق هذه الإضرابات.. ومحاولات إظهارها فــاشلــة أو غير مرغوبة... وغالب أجهزة الإعلام الحكومية والخاصة.. مجهزة.. حاضرة لطاعة تعليمات السياسة الماكرونية... وحلقاتها الجاهزة...
فــرنــســا؟... فـــرنـــســـا بلد المتناقضات Pays des paradoxes... نعم بلد المتناقضات.. والعجائب والغرائب والممنوعات... ولكن هناك دوما نافذة وطاقة.. تعبر منها وإليها ملايين البشر.. من كل أقطار العالم.. جائعون.. طلاب.. باحثون عن مربع حرية.. مافيات مختلفة.. عشاق هاربون.. فنانون طفرانون... وخلايا دبابير مختلفة... إنسانيون يبحثون عن الإنسانية... ثوار يساريون.. ما زالوا يؤمنون بمبادئ الثورة الفرنسية...
وأنا هذا البلد فرنسا.. ومدينتي ليون.. رغم جميع التناقضات.. والممنوعات والضائقات.. إنهما الأوكسيجين الذي أعيش منه وفيه... ولا اغيرهما لقاء جميع الجنات الموعودة... ويبقى عشقي وولهي لهما..نوعا من الجنون السادو مازوخي... والذي لا أريد له لا علاجا ولا شفاء....
***************
عـــلـــى الـــهـــامـــش
ــ الـــف مـــقـــال :
هذا المقال الجديد والذي يأتي بيوم تاريخي اجتماعي وسياسي بفرنسا.. يوم الخامس من ديسمبر كانون الأول 2019... يوم الإضراب الشامل ضد مشاريع الرئيس ماكرون اللااجتماعية.. وأهمها أمركة نظام التقاعد الفرنسي.. ومقالي الذي يحمل رقم الألف... ألف مقال رافقت به موقع الحوار المتمدن.. والسياسات العالمية.. وخاصة سوريا وفرنسا... بلد مولدي والبلد الذي اخترته وتبناني... وعاشرت ممنوعاته ومسموحاته وتاريخه السياسي والاجتماعي وجميع طاقاته ونوافذه التي تغلق وتفتح.. حسب الاعتراضات الشعبية.. وسياساتها المختلفة من اليمين إلى اليسار.. واختراق الاقتصاد العالمي الرأسمالي وهيمنته على كل سياساتها وغالب مسؤوليها وإعلامها... ومقاومة النادر القليل من يسارها المتطرف... واختفاء الأحزاب الرئيسية.. بوصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الحكم.. مدعوما من جميع مؤسسات الإعلام والرأسمالية... واختفاء المكاسب الاجتماعية التي اكتسبت بالاعتراضات الشعبية والحركات الطلابية التاريخية... وها هي الحركات الشعبية التي تنطلق من جذورها.. لتجميد مشاريع ماكرون وحلقاته الانتفاعية الآتية من يمين ويسار الأحزاب السياسية... والتي باعت مبادئها بمناصب أو وظائف...
أضرابات اليوم.. إن دامت وأثبتت فعالياتها الشعبية.. كالعادة بــفــرنــســا... سوف تكون نتائجها كاستفتاء عــام لديمومة أو تجميد مشاريع الرئيس ماكرون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية... وخاصة أن البطالة وغلاء المعيشة.. يتفجران بفرنسا.. بأشكال رهيبة.. وتقارير الجمعيات الإنسانية والحقوقية.. تصرخ وتصرخ لدرء غـرق فــرنــســا وشعبها.. بعواصف البطالة وإغلاق الشركات والمؤسسات الصناعية الفرنسية.. واحدة بعد أخرى... وخاصة إنفجار غلاء المعيشة والسكن والمواد الضرورية للمعيشة اليومية...
بـــــالانــــــتـــــظــــــار...

عن الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure