أنا آسف يا ماركس

اراء :: قبل 2 شهور

لم أؤمن يوما بأن نظامًا اشتراكيًا، وأعني أي نظام اشتراكي، قد يجد سبيله للنجاح في منافسة قد تبدو غير عادلة مع سوق عالمية أدركت أن انفتاحها طريق ممهد لثراء غير محدود، ولا أخفي أمام أي كان انتقاداتي لما كنت أراه رجعية وقصورًا في الفكر الاشتراكي في المطلق، وخاصة من ينادي به في ظل عالم تزداد ثرواته دون حساب تحت مظلة رأسمالية أنيقة، مزينة بنقوش فخمة وسيارات فارهة ورواتب خيالية، وكنت أرى أن ما أفرزته الرأسمالية من طبقية قميئة يقوم أساسها على المادة وكم البنكنوت في الجيوب وعدد الأصفار في بطاقات الائتمان، ما هو إلا ضريبة عادلة لرخاء نجح الفكر الرأسمالي، في أحيان كثيرة، في تحقيقه.
وقفت موقف المنظر من هذا الخلاف سنوات وسنوات، أغضب وأنفعل وأعترض كلما ناقشت من كان في قلبه مثقال ذرة من اشتراكية، ألعن ضعف الحجج ووهن المنطق ونضوب الآليات التي قد تجعل من هذا الفكر "معاصرًا"، وطالما استشهدت بنماذج لا تخفى على أحد لدول أثبتت فشلاً ذريعًا حين ظنت أن أحلام "ماركس" قد تنافس بنكنوت العم سام.
40 يومًا، فترة كانت كافية لتغيير كل ما آمنت به واختلفت لحد الشجار مع من خالفني الرأي فيه، 40 يومًا كانت كافية لأعتذر لماركس ولينين وماو (لا لن أعتذر لستالين بالتأكيد)، وأدرك تمام الإدراك أنني وقعت في أسوأ فخ نصبته الرأسمالية للعالم، حين حذفت الجانب الإنساني من المعادلة، فصار القياس قائمًا على الأرقام، كم أنتجت، وكم ربحت، وكم وجبة "بيج تيستي" وفرها لك راتبك، تسلسل اختفى فيه الإنسان كـ"هوموسيبيان"، واستحال رقمًا على كشف بغيض لا أكثر.
40 يومًا أمضيتها بين أنياب الوحش الرأسمالي، في شركة من هذا النوع الذي يسمونه "مالتي ناشونال"، حيث فخامة التصميم وكوبونات البنزين والحمامات النظيفة ذات البريق على المرايا، ذلك النوع الذي يسميك "جونيور" حين تلتحق به، فيعجبك وقع الكلمة لتقرر أنك ستمضي في سبيلك إلى الـ"سينيور"، وللإنصاف فإن وقعها ألطف، الشركات التي تمنحك راتبًا قد يساوي بدل نقابة الصحفيين المصرية العريقة مضروبا في 4، وتسمح لك بإرضاء عقدة الخواجة بداخلك بأن يتحول البيع إلى "سيلز"، والمدير إلى "هيد"، والحوافز إلى "إنسنتيف".
تخطو إلى هذا العالم المجهول مذهولاً بضخامته، ودقة الترتيب والتنظيم، تبهرك تروس الآلة حين تتحرك بتناغم، تتعجب من هذا التسلسل الدقيق لكل "بروسس" داخل الآلة، ستظل مندهشًا و"مخطوفًا" إلى أن يأتي دورك، وتترك مقعد المشاهد لتنضم إلى زملائك من التروس، وتبدأ الدوران في سرمدية مخيفة.
نظام العمل بسيط، ستخرج من منزلك في السادسة صباحًا لتعود إليه قرب التاسعة مساء، لكن لا تقلق فراتبك ضخم، ستمضي كل حياتك بين الأرقام، تحارب الوقت والمنافسين والزملاء في أغلب الأحيان، حرب ضروس تفتك فيها بالجميع من أجل الأرقام، ستحقق هدفًا "تارجت" واعذرنا، لن نستطيع الدفع ما لم تحققه، فأي روبوت هذا الذي يفشل في تحقيق الرقم، سنمنحك بطاقة للعلاج حين تمرض، لكننا لن نمنحك هذا الوقت لتجري فحوصاتك فلدينا أرقام لنحققها، وإن ظفرت بإجازة من طبيبك سنجد طريقة لقطعها وإعادة الترس إلى مكانه، فترس مكسور خير من "لا ترس" على الإطلاق.
ستحمل مسئولية كبيرة بالطبع، لكن لا تقلق فلن تتخطى مسئولياتك بعض الملايين من الجنيهات، وستسمح لنا بإجبارك على توقيع أوراق تتيح لنا سجنك وشنقك واغتصابك ثم حرقك حيًا إن أخطأت، فأي روبوت ساذج هذا الذي يخطئ في حسابات لا تتعدى بضعة ملايين، ستحتل شركتنا حياتك، أفكارك، ستزورك الأرقام في أحلامك، سيقودك الخوف من الأرقام إلى تقديسها، ستعبد الأرقام مع الوقت، وهذه ميزة إضافية إن كنت ملحدًا.
سنوقظك من نومك في إجازتك لسؤالك عن رقم، وقد نطلب منك المجيء، وكلنا أسف لذلك، لتوقع على الرقم بيمينك، ثم قد نضطر آسفين لإرسالك في مهمة بسيطة تقضي فيها يومك، وربما ترغمنا الظروف على معاقبتك بقسوة وسادية إن رفضت أو رجوت رحمة، فأولاً أنت تحصل على راتب ضخم، وثانيًا وهو الأهم، أي روبوت هذا الذي يتذمر؟
سنعطيك راتبًا ضخمًا، سنتحدث إليك بالإنجليزية، ونوفر لك "اليونيفورم"، لا يمكن أن ننسى "اليونيفورم" فالروبوتات لابد أن تتشابه إلى حد التماثل، سترسم ابتسامة دائمة على وجهك فالمدير يكره العابسين، وحين يكرهك المدير ستتمنى لو لم تولد قط، فالمدير ترس تم طلاؤه بطبقة لامعة، تتيح له بعض المزايا الإضافية كالخصم من راتبك والتنمر عليك واختيار شكل لحيتك ولون بنطالك، أما قدرات ترسك فلا تتعدى ابتسامة كاذبة سمجة تقابل بها تقلبات مزاجه، التي يكون سببها، في أغلب الأحيان، تأخر موعد تسلم سيارته الجديدة، بدلا من تلك القديمة القذرة التي مر على إنتاجها قرابة 3 سنوات، في مهزلة لا يمكن لترس مطلي يحترم نفسه أن يقبلها.
ستمضي الأيام قاتمة، كئيبة، سنخرجك من عالمك بانسيابية وبطء لا تشعر معه أنك تنسلخ من دنياك التي عرفت، سيتسرب الاكتئاب إلى داخلك دون أن تشعر، ستحيط بك الأرقام وتبني لنفسها طبقات وطبقات فوق ذاتك، ستختفي أنت تدريجيًا وتتحول بسلاسة إلى "رقم"، رقم في كشف الموظفين، رقم في كشف الرواتب، رقم في كشف "الروبوتات"، رقم أبرز في كشف "التارجت"، ورقم أكثر بريقًا في كشف الخصومات... إن لم تكن ترسًا بما يكفي.
أنا مدين باعتذار لكل من سخرت من إيمانهم بفكر اقتصادي كنت أراه عتيقًا، قديمًا، وإن أردت الصدق فاشلاً، أعتذر عن تأييدي للأرقام حين وقفت موقف المنافس مع الإنسان... وأخيرًا إن كنت تسمعني، فأنا آسف يا ماركس.

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure