ما الذى جرى فى مصر؟

اراء :: قبل 2 شهور

قبل أسبوع، كانت كل الأخبار التى تخص مصر طيبة. تقدم ترتيب مصر فى مؤشر السياحة العالمية تسع مراتب، لكى تكون فى المكانة الخامسة والستين. مازال هناك شوط طويل نقطعه لكى نكون، ونستحق، فى العشرة الأوائل فى العالم. ولكن هكذا يكون الأمر فى هذه المسألة وما تماثلها من مسائل حيث تسير خطوة خطوة، ومرتبة مرتبة، وفى أوقات تصبح فيها الخطوات قفزات. ولم تكن هذه كل الأخبار الطيبة، فقد كان الجنيه المصرى يقوى كل يوم تقريبًا، لم تصدق تنبؤات المتشائمين عند بداية العام وشهوره الأولى بأن التحسن فى قيمة الجنيه مجرد جملة اعتراضية فى مسيرته نظرًا لظروف تخص الأسواق العالمية تارة، وظروف استثنائية تخص الاقتصاد المصرى تارة أخرى. كان المكتوب على جبين الجنيه المصرى أن يستمر ضعيفًا منذ "التعويم" فى نوفمبر 2016، والمتعنتون فى التشاؤم تصوروا نوعًا من رد الفعل على التحسن المؤقت، فيضعف الجنيه ليس ليعود كما كان منخفض القيمة، وإنما ينخفض أكثر إلى 20 جنيهًا للدولار. لم تصدق آراء ولا نبوءة، وبعد تسعة شهور يظهر أن ارتفاع قيمة الجنيه حقيقى، ولأسباب حقيقية قوامها ثقة المصريين فى الخارج، والسياحة، والخبر الطيب الثالث، هو ارتفاع الصادرات المصرية خلال النصف الأول من العام الجارى. الخبر الطيب الشامل هو أن الاقتصاد المصرى أخيرًا بدأ يستجيب للعلاج، وظهر ذلك فى عناصر اقتصادية محددة، واكبتها سياسات اقتصادية وشجاعة فى اتخاذ القرارات الصعبة. لم يكن التحسن فى المؤشرات الكلية للاقتصاد بعد تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى، بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، سرابًا، ولا كان خدعة، كان حقيقة نتجت عنها مؤشرات تعلن أن الأيام الصعبة للدواء المر قاربت على الانتهاء، وبات الاقتصاد المصرى اقتصادًا طبيعيًا مثل اقتصادات الدول النامية الأخرى التى تناضل من أجل الخروج من حالتها. بات على المصريين أن ينظروا أمامهم فى تفاؤل، ويستبشروا بأيام أفضل قادمة، قائمة على أسس اقتصادية صحيحة، يكون فيها الثمن ثمنًا والحقيقة حقيقة.
يوم الأحد الماضى، وقعت البورصة المصرية بنسبة تعدت 5%، وتوقفت نصف الساعة عن العمل وفقًا للقواعد المرعية، ولم يكن ذلك لأسباب اقتصادية، وإنما كانت الأسباب سياسية، حددها المراقبون والمُحلِّلون بالمظاهرات التى خرجت خلال اليومين السابقين. وفقًا لكل التقديرات فإن هذه المظاهرات كانت بالعشرات، وفى حدها الأقصى بالمئات، وفى دولة يفوق عدد أهلها 100 مليون نسمة، لا تعبر مثل هذه الأعداد عن واقع جديد. ولكن الواقع فى مصر والشرق الأوسط قلق ومتخوف بالطبيعة، نتيجة أحداث كبرى جرت فى مطلع العقد الحالى، بدأت بشرارة وانتهت بحريق، والحرائق لاتزال قائمة فى دول حولنا: سوريا وليبيا واليمن والعراق. كان ما جرى وما صاحبه من ملابسات خالقًا لمناخ غير صحى تغذيه قوى سياسية مختلفة الاتجاهات، تتقدمها جماعة الإخوان المسلمين ومن ورائها جماعات أخرى متحمسة لوقف ما جرى من تقدم فى مصر أكثر من حماسها للتفكير فى مستقبل مصرى حقيقى يتناسب مع العالم الذى نعيش فيه. لم تأتِ من كل "الهرى" و"الكراهية" التى ذاعت خلال الفترة القصيرة الماضية فكرة واحدة تسهم فى تقدم مصر، كانت الفكرة الأساسية هدم كل ما جرى من بناء. مثل هذه الحالة يقع عبء مقاومتها على الشعب المصرى، الذى سوف يتحمل ثمن التراجع مرة أخرى والبدء من جديد، وكما يُقال من أول السطر. ما حدث فى البورصة وما كان قبلها علامات يقدمها الجسد السياسى والاقتصادى المصرى للمصريين جميعهم على أنهم أمام اختبار النضج الذى يقاوم الهجمات الجارية، التى ينتج عنها تراجع وانهيار سوف يكونون فى النهاية أول مَن يدفع ثمنه كما حدث فى فترة ليست بعيدة. أيامها كانت الكذبة الكبرى بأن النظام سوف ينهار، ولكن ستجرى استعادة 70 مليار دولار تعطى السعادة للجميع. انهار النظام، ولم تكن هناك دولارات ولا سعادة.

ولكن الاختبار لا يخص عامة المصريين فقط، وإنما يخص نخبهم السياسية والاقتصادية، وفى حركة الجيوش الكبرى نحو المعارك المصيرية تكون هناك أحيانًا وقفة تعبوية، تجرى فيها مراجعة وتقدير موقف للأداء والوظائف، ورسم الخطط لاستثمار النجاح وتطوير الهجوم، وتجنب الأخطاء، ورفع درجات الحساسية للتغيرات الجارية فى الميدان وبيئته المادية والمعنوية. ما جرى حتى الآن من توافق هو أن هناك نقصًا فى المناعة الإعلامية والتواصل السياسى، ولكن الإعلام جزء من منظومات أخرى، ولا تكفى المراجعة للرسول دون الرسالة. هى وقفة ضرورية للتفكير فيما هو أكثر.

 


عن المصري اليوم

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure