الفيلسوف الذي طمئنا: أنْ لا نخاف الموت

اراء :: قبل 2 شهور

جميع الناس يخافون الموت، مؤمنين وغير مؤمنين، واسباب هذا الخوف هو: لأن الموت امر غيبي، لا ندري متى نموت، يحدث بعد أن تفارق الروح الجسد، وما بعد الموت شيء مجهول، هل توجد حياة ما بعد الموت؟، العلم يعجز عن حقيقة ذلك. والفلاسفة ينقسمون الى فئتين بخصوص هذه الحقيقة، فئة تقر بوجود حياة وإنّ هناك حساب وثواب وعقاب، جنة ونار، كما يعتقدون وهؤلاء هم الدينيون أو الالهيون. والفئة الثانية ينكرون وجود حياة ما بعد الموت، وهؤلاء هم الماديون أو الملحدون. والحقيقة إن الفئتين ليس لهما ادلة قوية وواضحة ويقر بها العقل والوجدان. والسبب، ببساطة، أنه لم نر شخصا مات ثم عاد الى الحياة مرة اخرى حتى نسأله أنْ كان ثمة حياة أم ليس هناك شيء البتة، لكي يحصل لنا اليقين، وتنتهي المسألة. وعلى اعتبار أن ابيقور فيلسوف مادي، كان يرى أن ليس هناك حياة ابدا، وانما الحياة الحقيقية هي هذه التي نعيشها في الدنيا، وحينما ما نموت تفنى اجسادنا وتصير ترابا، وينتهي كل شيء. وابيقور ينكر ايضا خلود الروح، وفلسفته مبنية على هذه الحال.
وعليه، ابيقور يدعونا الى أن لا نخاف من الموت، لأن خوفنا من الموت هو الخوف بعينه، لأن الموت اذا حضر لم تكن ساعتها ثمة حياة، وطالما موجودة حياة فلا يكون للموت وجود ابدا، كما كان يعتقد ابيقور.
وبهذا فأن ابيقور حل لنا المسألة من اساسها، كما يرى الفلاسفة الذين آمنوا بفلسفته هذه بشأن الموت.
في بداية دخول ابيقور عالم الفلسفة، جاء ذات مرة وهو الى الدرس وهو مشحون بالأسئلة، ليلقيها على اساتذته؛ فكان منها أن طرح سؤالا يتعلق بطبيعة اللذة والالم، وهل هما من الله، وهل أن الله بإمكانه رفع الالم عنا، فكان الجواب مخيبا لآمال ابيقور، وبالتالي ارشده الاستاذ بأن يخوض في بحر الفلسفة وأنه سيجد الاجوبة هناك. ولم ينكر ابيقور خبرا فراح يبحث عن اجوبة شافية لأسئلته التي دائما ما كان يحرج بها اساتذته، حيث كانت اجوبتهم مختصرة ومبتورة. ولا ننسى أنّ فلسفة أبيقور قائمة على الإقرار بحقيقة المعطيات الحسية، حيث جعلها أبيقور أساس كل معرفة، وأرجع المعاني الكلية إلى تكرار التجربة التي نعود لتطبيقها بعد تثبيتها لفظياً. وهذا ما اقر به ديفيد هيوم على اعتبار أن هيوم فيلسوف تجريبي.
فقد كان ظهور أبيقور في زمنٍ وصلت فيه الفلسفة إلى ذروتها في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهو نفس العصر الذي انتقل تركيز التفكير الفلسفي فيه من الفلسفة الأولى (الميتافيزيقا) إلى الأخلاق. وأطروحته الأساسيٌة تتمثٌل في أنٌ اللذٌة هيٌ الخير الأسمى وهي "غاية الحياة السٌعيدة". فأبيقور يُعد رائد النزعة المادية الذي أثر في العديد من الفلاسفة، كماركس ونيتشة.
أسس ابيقور مدرسة تسمت باسمه، وكانت هذه المدرسة تقام على اسس مادية علمية بحتة، اذ كان أول من قال بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء، التي تبناها، فيما بعد، تشارلس دارون (1809- 1882)أي بعد رحيل صاحب الفكرة الاولى. وإنّ اكاديميته التي اسسها كانت ايضا يطلق عليها (حديقة ابيقور) والسبب أن أبيقور قد اشترى دارا ليسكن فيها، وتحتوي هذه الدار على مساحة واسعة، فحولها الى حديقة كان يلقي فيها دروسه ومحاضراته الفلسفية والاخلاق والعلمية. وهذه الاكاديمية تضم رجالا ونساءً، فقراء وعبيد، حيث لم يكن ابيقور يؤمن بالتمييز الطبقي أو العنصري. وكان تموين هذه المدرسة من التبرعات، اذ لم يكن للدول اليد الطولة في تموينها. وكان طعامهم الخبز وحده والماء، ليس كنوع من التقشف- وأن كان هذا جائزا لقلة التمويل- لكنهم اتخذوا ذلك من باب التصوف والقناعة بقليل من الزاد، والارتقاء بالتربية الروحية والنفسية معا.
ولد أبيقور حوالي سنة 341 ق م وتوفٌي حوالي 270 ق م (أي أنٌه يأتي بعد سقراط وأفلاطون وأرسطو في التٌرتيب الزٌمني). هاجر إلى أثينا حوالي سنة 311 ق م واستقرٌ فيها ودرٌس الفلسفة. كانت أمه تعمل في مجال السحر وقارئة للرقي والتعاويذ في المنازل، وكان ابيقور يساعدها ببيع تلك التعاويذ، كما يذكر هذا الدكتور يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية"، حتى أنه قد صب جام غضبه- فيما بعد - على هذه الخرافات، واخذ تدريجيا بمحاربتها. وأبوه كان معلما في بعض المدارس الإغريقية. ابيقور اهتم بالفلسفة ودراستها وهو في معيّة الشباب، وتلقى بعضا من علومه في (ساموس) وبعضها الآخر في (أثينا) حين هاجر إليها سنة (323 ق.م) على نحو التقريب. وفي سن الثامنة عشرة سافر إلى أثينا، وبقي هناك لمدة سنتين.
ابيقور يفسر جميع القضايا الكونية على اسس العلمية، ومع ذلك يذكر برتراند رسل في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية" إن ابيقور لا يهتم بالعلم في حد ذاته، وانما يحصر اهتمامه به لسبب واحد فقط، وهو أن العلم يفسر الظواهر تفسيرا طبيعيا، فلا يعود امام الخرافة مجال في نسبتها الى فعل الآلهة. لذلك فأنه شن هجوما كاسحا على رجال دين عصره، حيث اعتبرهم اعداء لدودين له يبنون افكارهم ومعتقداتهم على الدجل والسحر والشعوذة ليخدعوا بها العامة.
اذ قدٌم أبيقور معنى جديدا للٌذٌة إذ اللٌذٌة عنده لا تكمن في إشباع الرٌغبة وإنٌما في غياب الرٌغبة وهي عندئذ غياب للألم الذي يصحبها. ويمّيز ابيقور ثلاثة أقسام في الفلسفة: العلم القانوني والطبيعة والأخلاق. الأول أساس العلم، ويعلم طرائق تمييز الحقيقة من الخطأ، والثاني يبحث في كون الأشياء وفسادها وطبيعتها، والثالث يميّز الأشياء التي توفر حياة سعيدة من الأشياء الضارة التي يجب الابتعاد عنها، والعلم القانوني والطبيعة في خدمة الأخلاق، وغايتهما دراسة الأسس التي تسمح بالتحرر من الآراء الخداعة، للتوصل إِلى حياة حرّة هادئة ومتزنة.
وباختصار يعتقد ابيقور أن الشقاء المخيم علينا وحياتنا الملأى بالألم والمعاناة ترجع إلى سببين، السبب الأول: الخوف من الله؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن هذه الله يراقبهم من سماء، ويعد عليهم حركاتهم وخطواتهم، ويحصي انفاسهم ويحاسبهم على نِيَّاتهم وهفواتهم، فاشغلوا به عن العمل لما فيه خيرهم وسعادتهم، وتركوا كل شيء إلا التفكير الدائم بما يمرون عليهم الكُهان.
الثاني: على الإنسان أن يؤمن بالله وبعظمته ويتعقد بخالقيته، ويقتدي به في حياته الهادئة السلمية، ولكن من العبَث والتضليل أن يصلي ويضحي لها، ويُغريها بالهدايا، ويشغل أفكاره بها أبدًا ليل نهار كأنه رجل امن يريد معاقبته برفع كل ما يفعل الى السلطة. أما الموت فلا داعي للخوف منه؛ لأن الجسم ينحل به روحًا وبدنًا، فتذهب التذكارات والهموم والمصائب التي حلت به، ولا يبقى شيء يُهدَّد به.
وقد بنيت الفلسفة الابيقورية على: العلم القانوني والطبيعة والأخلاق. الأول أساس العلم، ويعلم طرائق تمييز الحقيقة من الخطأ، والثاني يبحث في كون الأشياء وفسادها وطبيعتها، والثالث يميّز الأشياء التي توفر حياة سعيدة من الأشياء الضارة التي يجب الابتعاد عنها، والعلم القانوني والطبيعة في خدمة الأخلاق، وغايتهما دراسة الأسس التي تسمح بالتحرر من الآراء الخداعة، للتوصل إِلى حياة حرّة هادئة ومتزنة.
واما حياته الاجتماعية، فلم يتزوج ابيقور طوال حياته ولم ينجب، واعتبر أن الزواج وانجاب الاطفال هو سبب مباشر يعيق الفيلسوف والعالم من اداء رسالته الملقاة على عاتقه، فليس من العقل والمنطق أن يرتبط الفيلسوف بزوجة واطفال. وهو مع ذلك كان يعاني من الحصى الكلوية وتملك منه مرض حتي توفي في العام 270 ق.م عن عمر ناهز 72 عاماً. لكنه كان صلبا لم يظهر التذمر، بل كان التجلد ديدنه، والصبر شعاره. ورغم الألم الشنيع الذي كان يشعر به، كتب إلى صديق له في لامباسكاس يقول : "أكتب لك هذا الخطاب في يوم سعيد، وهو أيضا آخر يوم لي في الحياة، لقد أصبت بانحباس البول وهو شيء مؤلم جدا حيث لا يمكن أن يكون هناك مثيلا لمعاناتي، ولكن بهجة عقلي التي تأتي من إعادة تأمل جميع دراساتي الفلسفية، تخفف عني كل الآلام. أرجو منك الاهتمام بأطفال مترودورس، بطريقة تليق بتفاني هذا الشخص من أجلي ومن أجل الفلسفة".
من الامور التي اثارت انتباهي أن استاذا للفلسفة كالدكتور يوسف كرم، وهو يصف مذهب ابيقور الفلسفي بـ "المتهافت والسخيف" في كتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية". صحيح أن فلسفة ابيقور تركز على المادية، وتفسر كل شيء بالطبيعة، لكنها في نفس الوقت هي فلسفة واقعية، وقد اقام ابيقور فلسفته هذه من واقعه، حيث كان الواقع السائد في اليونان آنذاك يقوم على الاسطورة والخرافة، - كما كان غير عصره ايضا- فكان تفسير الكون والقضايا الطبيعية من وجهة نظر دينية بحتة، لا يريدون اعطاء العقل فسحة من التأمل لتوضيح تلك القضايا.
وأخيرا ترك لنا ابيقور ثلاثة مئة كتاب بحسب المؤرخين، لكن لم يبق من تلك الكتب التي ألٌفها سوى شذرات من الحكم وثلاث رسائل.

 الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure