ابحث عن نسختك الأجمل

اراء :: قبل 2 اسابیع

هل ترى نفسَك جميلا ورائعًا وكامل الأوصاف. إذن لماذا يكرهُك بعضُ الناس ويلصقون بك صفاتٍ قبيحةً لا تراها في نفسك؟ أم ترى نفسك مليئًا بالعيوب والنواقص؟ فلماذا إذن يُحبُّك بعضُ الناس ويرونك أرفعَ الخَلق وأسماهم؟ ليس للنسبية علاقة بهذا الأمر؛ بل بتعدد نسخنا. فكل منّا له نسخٌ عديدة، ولا أقول أقنعة.
يشغلني هذا الأمر منذ مراحل الصبا التي ظننا فيها (ولم ينجُ من هذا الظن أحدٌ) أن بوسعنا تغيير الكون إلى الأفضل، وأن الله قد خلقنا- نحن بالذات- لكي ننقلَ الوجودَ نقلةً نوعية ليتحرك من خانة التعاسة والبؤس والأنانية والبغض إلى خانة السلام والتحضر والطفولة والفرح؛ حيث أراد له اللهُ أن يكون. إذ لا يستوعبُ عقلي أن الله الرؤوف الرحيم قد خلقنا لنقتتل ونتباغض ونقسِّم الكوكبَ فرِقًا وشيعًا وأطيافًا وأُممًا وقبائلَ متنافرة متعنصرة متشاكسة متباغضة، بل "لِتعارفوا." (الحجرات 13).
نعود إليكَ وصورك المتعددة لدى نفسك ولدى الآخرين. أظنُّ أن لكلِّ منّا نسخًا ثلاثًا، لا واحدة. نسخةٌ أولى تمثل تصورك الخاص عن نفسك. ونسخة ثانية يراها الآخرُ. وبما أن هذا الآخر كثيرٌ بتعداد مَن تعرفهم ومن يتعاملون معك، فإن هذه النسخة تتشظّى إلى نسخ عديدة بتعداد معارفك. أما النسخة الثالثة فهي "أنت" الحقيقي. وهذه النسخة غالبًا غائمةٌ مضللِة تكسوها الظلال؛ لهذا لا يعرفها أحدٌ حق المعرفة، ولا حتى أنت تعرفها على وجه الدقة. وربما لهذا قال "سقراط" قولته، التي تبدو، لفرط عمقها، ساذجة: “اِعرفْ نفسَك"، وكأنما يطلب المستحيل. لأن المرءَ قد ينقضي عمره كاملا دون أن يعرف نفسه. فمعرفة النفس ليست بالمهمة اليسيرة كما يُظن، بل هي لغزُ الكون وسرُّ الإنسان الأعظم الذي أفنى فيه الفلاسفةُ حيواتهم ليصلوا إلى معايير تفكُّ شفرته، دون جدوى.
وفِي الأخير، هناك نسخةٌ رابعة "افتراضية"، هي محور مقالي. هي النسخة الأجمل منك. هي الصورة التي، حين تنظر إلى المرآة، ترجو أن تراها، تشْخصُ في ملامحها وتقول: ليتني هي! وربما خادعتَ نفسَك قليلا وظننتَ، أن تلك التي تراها الآن منعكسةً على صفحة المرآة المتلألئة، هي أنت ولا أحد سواك. هي الصورة التي تتمنى أن تكونَ عليها، وتفني عمرك في محاولةٍ للوصول إليها. لهذا هي افتراضية، غير واقعية. مجرد صورة في مرآة، كلما حاولت القبض عليها فرّت منك كما السراب الذي لا يُنال. لكن قليلاً من الناس يعرفون كيف يطاردونها حتى يمسكون بها؛ ثم يقبضون عليها؛ ويعضّون عليها بالنواجذ، ثم يتلبّسونها، ويلبسونها، ويتدثرون بثوبها الجميل الأنيق. فإذا ما ذاب ذلك الثوبُ الافتراضيُّ فوق أجسادهم الواقعية واتحدّ بخلاياها، صاروا هي، وصارت هم.
هنا فقط يقدر أولئك الأقوياء ذوو البأس أن يكونوا كما شاءوا هم، وليس كما شِيءَ لهم أن يكونوا. كأنهم يُعيدون خلق ذواتهم على النحو الذي يشتهون، وليس كما شاءت لهم الچيناتُ الوراثية والتربية الأسرية والتنشئة المدرسية والمجتمعُ والنصوص الموروثة والعادات والتقاليد. هذا ما أسميه: "الاشتغال على النفس". إعادة تربية النفس على النحو الأمثل، لنجعل من أنفسنا صورًا أرقى من البشر. هنا يرمي بنا الحديثُ حول إشكالية هل الإنسان مُصيّرٌ أم مُخيّر؟ وهذا ليس موضوعنا على كل حال. إنما إعادة بناء ذواتنا على النحو الذي ننشد. وهو مطمح الفلاسفة منذ فجر الضمير الإنساني. صورة "سوبر مان" أو "الإنسان الفائق" كما رسمه "نيتشه". الإنسان الفائق ذاك، يصنع الجمالَ، لأنه جمالٌ، ويتجنب الشرَّ، لأنه شرٌّ. لا طمعًا في مكافأة، ولا خوفًا من عذاب. بل ببساطة يسعى لأن يكون متحضّرًا راقيًا لأنه يؤمن أن الإنسان يجب أن يكون متحضّرًا راقيًا.
أعرفُ كثيرين ممن أثق أنهم قبضوا على صورتهم الأجمل، وتلبّسوها. مارتن لوثر كنج، غاندي، طه حسين، الأم تريزا، ابن رشد، جبران، روزا باركس، وسواهم الكثير.
وماذا نفعل بما لدينا من نسخ عديدة من ذواتنا؟ في تقديري يجب ألا ننشغل بالنسخ الثلاث الأولى. فالحقيقية مجهولة، لا جدوى من معرفتها. وصورتاك في عين نفسك، وفي عيون الآخرين عمياوان، زائفتان؛ تحكمهما كثير من المعاملات الدخيلة مثل الذاتية والهوى والبغض والمصالح، الخ. أما الصورة الافتراضية الأجمل التي تتمنى أن تشاهدها كلما شخصتَ في المرآة، فهي التي، في ظني، يجب أن تكون طريدتنا. هي التي لو صببنا عليها محاور اهتمامنا، ربّينا أنفسنا وقوّمناها لكي نصير أجمل وأفضل وأرقى وأكثر إنسانية وتحضّرًا. حاول أن تقبض على صورتك الأجمل في المرآة؛ حتى تصيرَ إنسانًا. "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن".
***
عن الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure