في مديح الضعف والضعفاء

اراء :: قبل 7 شهور

وتقول الحكايةُ الصينيةُ إن امرأة عجوزًا كانت تذهبُ كلَّ صبحٍ إلى البئر، حاملةً فوق كتفها عصا مُعلّقا في طرفيه إناءان من الفخار. أحدُهما سليمٌ ترجع به البيتَ مملوءًا بالماء لحافته، أما الآخرُ ففي قاعه شرخٌ طفيف يتسرّب منه نصفُ الماء في الطريق. وخلال عامين كان الإناءُ السليم يُباهي بصحّته واكتماله، فيما بدا المصدوعُ حزينا. قال للسيدة في خجل: أودُّ أن أعتذرَ لكِ عن عطبي الذي يُفقدك نصفَ مائي كل يوم! فابتسمتْ وقالت: ألم تلحظْ يا صديقي الطيب صفَّ الزهور الممتدَ على جانب الطريق من البئر حتى بيتنا؟ هو على جانبك أنت، وليس على جانب الإناء السليم الذي يفاخركَ باكتماله. ذاك أنني انتبهتُ لما تسميه "عطبا" فيك، فبذرتُ البذورَ في ناحيتك. وعلى مدى عامين ملأتُ بيتي بالزهور التي رواها الماءُ المنسربُ من شرخِك. بيتي يا عزيزي مَدينٌ لك بهذا الجمال!
وكثيرة هي الحكايات التي تؤكد لنا أن ثمة جمالا في كل عيب، وثمة نورًا داخل كل عتمة، وأن في النقص اكتمالا. بل إن الاكتمالَ التامَ هو العيبُ، هو النقصُ، ليس فقط لأنه محضُ وهمٍ، بل لأن في النقصِ رقّة وعذوبةً ونبلا ورحمة. الكمال للخالق الأعطم فقط، وفي النقص شيءٌ من الإنسانية وشيءٌ من النبوّة. ولهذا يتعمد الفُرْس تركَ غرزةٍ معطوبة في سجاجيدهم العجمية فائقة الجمال باهظة الثمن. ولهذا أيضا بتر الرومانُ أذؤع تماثيلَ حسناواتهم الرخامية. لأن الجمالَ لا يتأكد إلا عبر مسحة من الخلل تُكرّس فرادتَه.
وفي يوم 25 ديسمبر العام 1642، هتفتِ القابلةُ: "يا إلهي! هذا أصغر مولود رأته عيناي، انظروا، يمكن وضعه في كوب صغير! لن يعيش هذا المخلوقُ سوى يوم أو بعض يوم!". هكذا هتفت بدهشة ممزوجة بحزن حينما استقبلتِ الطفلَ الهزيل الذي ستُكتب له الحياة رغم حدسها المتشائم. صحيحٌ أنه سيحمل طوال عمره جسدًا ضعيفا مهزولا، وصحيحٌ أن أقرانه في المدرسة سيجعلون منه مادةً لسخريتهم، حتى أن أحدهم سيبطش به ويصرعه أرضًا بقبضة يده وسط ضحكات الرفاق، لكن هذا الذي حُدِسَ بموته المبكّر سيعمّر خمسًا وسبعين سنةً، وسيحمل دماغُه الهزيلُ عقلا لامعًا فائقًا يبزُّ البشريةَ حدّة وذكاء حتى أنه سيغدو القيمةَ المعياريةَ القصوى على مقياس معدّل الذكاء Intelligence Quotient (I.Q.) المعروف.
ذاك الطفلُ هو "اسحق نيوتن" الذي نال اللقبَ الإنجليزي رفيع الشأن "سير" لأنه غيّر من مسار العلوم والفيزياء بقوانينه التي وصفها آينشتين، بعد ذلك بثلاثة قرون، بقوله: "إن كل ما عُرف من العلوم الطبيعية النظرية مَدين لنيوتن، كلها ليست سوى امتداد طبيعي لآرائه". بل إن لقبه "نيوتن" Newton سوف ُيطلق بعدئذ على وحدة القوة الفيزيائية. وهي مقدار القوة التي لو أثّرت على جسم كتلته كيلوجرام واحد، لأكسبته سرعةً تعجيلية acceleration مقدارها مترٌ في كل ثانية.
وكثيرون هم العظماء الذين لم تكن طفولتهم سوى بعض "صفر"، بمعاييرنا الساذجة، بما لا ينبئ بعبقرية قادمة. لكنها الحياةَ تحب دومًا أن تشاكسَ البشر قائلة ها هي توقعاتكم أخطأت! فمتى تتعلمون ألا تتعجلوا الحكم؟ وماذا نقول عن آينشتين الذي كان المعلم يطرده في طفولته من الفصل ناصحًا والديه أن يسحبوه من المدرسة لأن قدراته العقلية محدودةٌ وغير قادر على التفاعل والاستيعاب. كان آينشتين متوحّدًا وآمن والده بخلله، لكن أمه لم تؤمن إلا بتميز ابنها. آمنت أنها قادرةٌ على صناعة معجزة ما. فجنّدت له كتيبةً من المعلمين وأطباء التخاطب وخبراء في تنمية القدرات الاجتماعية فقدمت للعالم نابغةً غيّر مسار البشرية بنظريتيه الفذتين النسبية العامة والنسبية الخاصة. وماذا نقول عن درّة عقدنا طه حسين الذي نذره أبوه لتعلم القرآن وحفظه آملا، في أحسن الأحوال، أن يغدو مُقرئا على الموتى عند الأضرحة مقابل بعض التمر والفطائر، لكن القدر خبأ للدنيا عقلا تنويريا فذًّا أقدر مطمئنةً أن أقولَ عنه: "ظالمُ العزمِ عَلِيُّ الارتقاء"، على وزن "ظالمُ الحسنِ شهيُّ الكبرياء"، كما وصف إبراهيم ناجي حبيبتَه. آمنوا بالضعف فإن فيه قوةً.

عن الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure