امرأة تسابق الزمن

اراء :: قبل 1 اسبوع

اعتادت الكثيرات من نساء الطبقة العاملة في الشرق الأوسط على مشاركة الرجل في أعماله. وفي أحيان كثيرة كانت المرأة هي التي تكسب الرزق للعائلة بينما يجلس زوجها أو والدها في المقهى أو البستان يتشمس ويدخن أو يتسامر مع زملائه. لهذا الجانب من حياة المرأة العراقية الكثير من الحكايات التي تلفت النظر وتثير العجب والإعجاب كحكية حسيبة البلامة. كان من المعتاد للمرأة إذا توفي زوجها أو والدها أو معيلها أن تحل محله في عمله. إذا كان عطاراً تجلس محله في الدكان وتواصل عمله، تبيع وتشتري، وإذا كان شغالاً فتواصل شغله، أنى كان. ونحو ذلك.
بيد أن حسيبة من نساء بغداد كانت تعتمد في معيشتها على والدها البلام، والبلامون هم الفئة الصغيرة التي تشتغل في نقل الركاب والبضائع في زوارقهم الخشبية الصغيرة المعروفة بالبلم بين جانبي نهر دجلة. وهي مهنة شاقة ورجالية واختصاصية تتطلب الكثير من الخبرة والمعرفة والجهد.
لسوء حظ حسيبة توفي والدها فجأة ولم يترك لها من متاع هذه الدنيا غير البلم والمجدافين. ولم تكن لها أي معرفة بشغل البلام والمجاديف. جلست في زاوية من بيتها تتأمل وتبكي حظها ونصيبها من متاع هذا العالم. وظلت في هذه الحالة تتأمل. ولكن المثل يقول، حيثما توجد إرادة يوجد طريق. عقدت العزم على متابعة مهنة والدها وكسب معيشتها من البلم. خرجت من بيتها ونزلت إلى شريعة النهر حيث وجدت البلامين يتسامرون. قالت: أريد أن أشتغل شغلكم. علموني كيف أدير البلم وأشغله.
ضحكوا من طلبها. هذي يا بنت مو شغلة حريم. هذي شغلة زلم. شوفي لك شغلة ثانية. ولكن لم يترك والدها الراحل لها غير هذا البلم. لا بد من استعماله. عادت لبيتها وأخرجت المجدافين وسارت بهما إلى شريعة النهر. نظر البلامون إليها نظرة شفقة ولكن أياً منهم لم يعبأ بمساعدتها. وهي من جانبها لم تعبأ بهم. وضعت المجدافين في البلم الذي خلفه لها والدها. جلست بين المجدافين وأخذت تنظر للبلامين. كيف يضعون المجداف وكيف يحركونه ويجدفون به بما يحرك الزورق في الاتجاه المطلوب. ظلت تراقب ذلك وتسجله في مخيلتها.
تشجعت أخيراً ودفعت الزورق في عرض النهر ولكنها ظلت تدور به يميناً ويساراً حتى كادت تقلبه على نفسها. أشفق عليها أحد البلامين فسبح إليها ومسك بالزورق ثم جلس فيه أمامها وراح يساعدها في تحريك كل مجداف في الاتجاه الصحيح. سار بها قليلاً فشكرته حتى عاد بها إلى جرف النهر. تعلمت منه الكثير. عادت بالمجدافين إلى بيتها. مرت بالسوق فنظر الناس لهذه الفتاة التي تحمل مجدافين على كتفيها. عادت بهما في اليوم التالي واستأنفت تمرينها حتى أتقنت قيادة البلم تماماً.
بيد أنها واجهت هذه المشكلة: إقناع الناس بقدرتها على نقلهم بسلام إلى حيث يريدون. تشجع أخيراً بعض طلاب مدرسة الكرخ فركبوا فيه وراحوا يشجعونها ويساعدونها. وصلت بهم إلى حيث يريدون فدفعوا لها أجرتها كما يقتضي. وكان أول مبلغ كسبته من زورق والدها. وبمرور الأيام تشجع الآخرون على استعمالها في نقلهم. ومضى البلامون الآخرون فاعترفوا بقدرتها على أداء المهمة فخصصوا لها دورها، أي نوبتها، في العمل اليومي للشريعة.
وكانت حسيبة أول امرأة عراقية تمارس مهنة قيادة الزوارق، البلام، وتزاحم الرجال بها. نعم... حيث توجد إرادة يوجد طريق.

عن الشرق الاوسط

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure