استهداف القلوب والعقول

اراء :: قبل 2 اسابیع

لا يجادل أحد في أهمية العلم لتقدّم الشعوب وازدهار الأمم، وبعد أن حققت الدول المتقدّمة قفزات كبيرة في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها في الصناعة والطب ومختلف مجالات الحياة. أدرك العالم المتقدّم أن الاهتمام بالعلوم الإنسانية أيضاً ضرورة قصوى في إدارة العلاقات والتفاعلات، سواء بين الأصدقاء أو الخصوم. وقد صارت العلوم متداخلةً، بما يكفي لجعل العلاقات بين الدول مرهونةً بامتلاك أو افتقاد تقنيات متقدّمة، تجري مقايضتها مع تبني موقف سياسي معين، أو المشاركة في عملية عسكرية، أو حتى قرار داخلي.
ولا تقل عن ذلك أهمية ضرورة توظيف البحث العلمي في الاستفادة من تجارب التاريخ في العلاقات الإنسانية. سواء على مستوى الأفراد، أو الجماعات البشرية التي تتخذ في العالم المعاصر شكل شعوب وأمم، تتمايز عن بعضها بالوحدات السياسية الوطنية المسمّاة "الدول".
والحديث هنا لا يتعلق حصرياً بالدوائر الرسمية ومؤسسات صنع القرار وحسب، بل يمتد أيضاً ليشمل كل جوانب العلاقات بين الشعوب، بما فيها اتجاهات الرأي العام، ومداخل التأثير عبر الأشكال المتنوعة من القوة الناعمة (الفن والرياضة والعلماء والشخصيات العامة)، ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن جماعات الضغط والمصلحة.
وما لم يكن تأثير أي من تلك المداخل مدروساً ومخططاً، في إطار أهداف محددة لمدى زمني معين، تتحول المسألة إلى تحرّكاتٍ وتغيراتٍ محض تلقائية، أو بالأحرى عشوائية، خارجة عن السيطرة وغير معلومة العواقب، فغياب أساس علمي وإطار منظم لمداخل (وأدوات) التأثير في الدول والشعوب، يجعل العلاقات بينها عرضة للعصف بها، بعمد أو بغير عمد. وربما تتضح أهمية ذلك بجلاء، من الأزمة الشهيرة التي وقعت بين مصر والجزائر عام 2009 ضمن مسابقة التأهل في أفريقيا إلى كأس العالم في كرة القدم. وقد تكشّف، لاحقاً، مدى وعمق الدور السلبي الذي لعبته وسائل الإعلام وأجّجته على الجانبين عدة عوامل، شملت شبكات التواصل الاجتماعي، والشخصيات العامة والرموز.
أما عن الاستهداف الإسرائيلي لعقول العرب وقلوبهم، فالحديث يطول ويتشعب. وقد نوعت تل أبيب أسلوب التأثير في الذهنية العربية، من التخويف "بالذراع الطويل" و"الجيش الذي لا يقهر". إلى الاستمالة بنغمة الرغبة في التعايش والاندماج في المنطقة بسلام. ثم أخيراً بالعزف على وتر "المصلحة البراغماتية" والمنفعة المتبادلة.
وتقدم التجارب العالمية خبرة ممتدة وعميقة في هذا الإطار، لعل من أهمها ما قامت به الدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، في ذروة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، فكما تكشف لاحقاً، وقع تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية وانهيار حائط برلين ليس فقط بسبب الضعف الاقتصادي والفساد الإداري، وإنما نتيجة ما قام الغرب به من هدم وتدمير معنوي لدى شعوب أوروبا الشرقية. شمل تفكيك وتشويه كل الصور الذهنية والقوالب النمطية التي كانت تلك الشعوب تؤمن بها، في الاقتصاد والثقافة والتعليم ونمط الحياة، بل وفي الرياضة أيضاً.
وفي المقابل، تم تصدير صورة ذهنية عن المجتمعات الغربية، تظهرها مثاليةً، وتتمتع بالحرية والرفاهة والتقدم. وكان للسينما والغناء والرياضة دور بارز، بوصفها أدوات رئيسة للقيام بتلك المهمة الخطيرة. ولم تكن لتلك العملية الصعبة والممتدة أن تتم، من دون دراسة علمية دقيقة لطبيعة المجتمعات المستهدفة وخصائصها، ونقاط الضعف ومداخل التأثير فيها. وتفيد هذه الأمثلة، وغيرها، بأن بناء الإدراك الجمعي للذات وللآخر، وتشكيل الرأي العام، لا بد أن يخضع إلى استراتيجية علمية مدروسة، استناداً إلى أبحاث ودراسات تحلل طبيعة الشخصية القومية وتركيبتها.
إنها تطبيقاتٌ متنوعةٌ ومتجدّدة لما يطلق عليها تقليدياً "الحرب النفسية"، ولكن تحت مسمى جديد درج استخدامه في العقدين الأخيرين، خصوصاً من دوائر الدبلوماسية الغربية، وهو "حرب القلوب والعقول".

عن العربي الجديد

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure