العلاقة بين الديمقراطية والعنف

اراء :: قبل 2 شهور

العنف السياسي ظاهرة تعرفها جميع المجتمعات الإنسانية وبدرجات متفاوتة ويكون الاختلاف في أسبابها ونتائجها، وهو لا يرتبط بمجتمع معين ودولة معينة، فبعد فشل الوسائل السلمية وعجزها عن الحوار والتنافس من أجل التقليل من حدة الصراع، يتحول الصراع إلى عنف، ففي الأنظمة الشمولية مثلا يتم اللجوء إلى العنف بوصفه الطريق الوحيد الممكن للتغيير، طالما انه ليس هناك طريق أخر لحلها يتمثل بوسائل المشاركة السياسية، وتقف وراء العنف قوة اجتماعية لها مصلحة معينة يراد تحقيقها، أو أنها تلقى استجابة لمثل هذا النشاط.
يمكن تعريف العنف السياسي على انه (أعمال التمزيق والتدمير والأضرار التي يكون غرضها واختيار أهدافها وضحاياها والظروف المحيطة بها وآثارها ذات دلالات وأبعاد سياسية أي تنحو نحو تفسير سلوك الآخرين في موقف تساومي له اثر على النظام الاجتماعي)، ويعرف أيضاً على انه (الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو أغراض اجتماعية لها دلالات وأبعاد سياسية بشكل يأخذ الأسلوب الفردي أو الجماعي، السري أو العلني، المنظم و غير المنظم).
ومن الممكن القول ان العنف هو أسلوب للتغيير السياسي والاجتماعي وذلك عندما لا توجد مسالك فعالة للتغيير، وقبول أو رفض العنف ليست قضية أخلاقية فحسب وإنما يتوقف على المواقف من النظام السياسي، فمن حق الدولة أن تحتكر الاستخدام الفعلي والشرعي للقوة ولكن يجب أن يكون هذا في إطار القانون والدستور، إي لا تجور الدولة على حقوق وحريات الإفراد.
وهنالك من ربط بين الفقر والعنف في هذه الدول، باعتبار ان الدول التي تتمتع بمستويات عالية من التحريك الاجتماعي والتقدم الاقتصادي هي أكثر استقراراً وأماناً من الناحية السياسية، وان التخلف الاقتصادي والاجتماعي مسؤول عن عدم الاستقرار، إلا ان صموئيل هنتنغتون يرفض الربط بين الفقر والتخلف بحالة عدم الاستقرار والعنف باعتبارها حسب وجهة نظره علاقة غير منطقية.
لذلك يعد النظام السياسي القائم على مؤسسات دستورية وقانونية يحددها الدستور واتفاق القوى الاجتماعية والسياسية على الإجراءات والوسائل التي تتبعها في حل النزاعات السياسية وفي تداول السلطة وتوزيع المراكز والوظائف بصورة متساوية، واتساع المشاركة السياسية لجميع القوى السياسية والمؤسسات المختلفة داخل المجتمع الوسيلة الأفضل للقضاء على ظاهرة فراغ السلطة ومظاهرها.
ولكن ما تتسم به دول عالم الجنوب من احتكار في السلطة، وخرق في الشرعية، والتجاوز على قدسية الدساتير وخرقها، والأزمات والمشاكل التي تعاني منها، كل ذلك أدى لظهور عدة نتائج ومظاهر لظاهرة فراغ السلطة في دول عالم الجنوب، حيث ان تركيز السلطة السياسية واحتكارها من قبل الفئة الحاكمة، واستبعاد وتصفية أي قوى سياسية أخرى، أدى لظهور مظاهر تهدد الأنظمة السياسية القائمة والمجتمع في هذه الدول، حيث ان القوى السياسية المهمشة تعتمد على عدة آليات ووسائل قد تكون غير سلمية ومعتمدة على العنف من اجل الوصول إلى السلطة وتحقيق أهدافها.
لذلك فأن دراسة العديد من الدول المتحولة من النظم الاستبدادية إلى النظم الديمقراطية، تؤكد على أن المشكلة الأساسية للعنف تكمن في طبيعة التنافس السياسي المحلي للنخب السياسية المتبقية فيها من القديم مع النخب الجديدة التشكيل بعد انهيار النظام الاستبدادي، حيث أن العالقة بين هذه الأنواع من النخب تكون في البدء عالية السلبية، بسبب التناقض في أهدافها المنشودة لبناء النظام الجديد، مما يؤدي إلى عدم الثقة والشك فيما بينهم، ولعل من أولى نتائج هذا الشك والريبة هي الاعتماد على الوسائل الإكراهية لحل الخلافات والإشكاليات فيما بين هذه النخب. وتعيش الدول التي دخلت مسار التحول نحو النظام الديمقراطي مستويات مختلفة من العنف الداخلي، وفي بعض الأحيان الخارجي (الحرب)، وتؤكد فرضية التحول الديمقراطي والعنف على أن النظم السياسية القديمة مهما كان شكلها فهي تكون مستقرة ولا تعاني من مستويات متعددة من العنف، غير أن عملية التغيير من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي هي التي تخلق المستويات المختلفة من العنف.
وتأسيسا على هذا فان العنف السياسي هو في الواقع ناتج عن انعدام المشاركة السياسية أو تدني مستواها بين مختلف طبقات المجتمع، فقد تلجأ بعض القوى الراغبة بالمشاركة السياسية بكل مستوياتها إلى العنف، لأنه المجال الوحيد الذي من خلاله يمكن إيصال مطالبهم إلى النظام السياسي، أو أنها قد تؤثر على النظام للأخذ بسياسية معينة أو اتخاذ قرارات بشأن مشكلة ما يراد حلها قد تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، فالتفاوت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في مجتمع ما، يؤدي إلى شعور أفراد ذلك المجتمع بالغبن، نتيجة لعدم استجابة النظام السياسي لمطالبهم، مما يؤدي إلى حالة من النفور السياسي منه، والمطالبة بتغييره، وعندما لا تتوفر سبل تحقيق ذلك عن طريق الممارسة الديمقراطية يلجأ الشعب إلى العنف السياسي ذلك ((أن عدم العدالة التوزيعية وما يصاحبها من تفاوت اقتصادي واجتماعي يؤدي إلى العنف السياسي وأيضا يرى أرسطو أن الظلم وعدم المساواة هو سبب الثورة، وكذلك ما أكده ماركس في أن الاستغلال الذي تمارسه طبقة مسيطرة على أدوات الإنتاج على الطبقات التي لا تملك سوى قوت عملها هو سبب الثورة)).
تأسيسا على هذا فان العنف السياسي هو شكل من أشكال المشاركة السياسية، وذلك لارتباطه بطبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهو يهدف بالدرجة الأولى لتحقيق أهداف سياسية، وخاصة عندما يشعر المواطنون أن النظام السياسي لا يعبر عن مصالحهم وقيمهم ولا يسعى إلى تحقيق أهدافهم، وليس لديهم القدرة على تغيير وسائل المشاركة السياسية السلمية مثل الانتخابات الحرة النزيهة، لأنه يقوم باحتكار السلطة، فلا سبيل لتحقيق هذه الأهداف إلا بالخروج من دائرة المشاركة السياسية السلمية والدخول بدائرة المشاركة غير السلمية من أجل تغير النظام و الإطاحة برموزه، سواء كان عن طريق الثورة أم الاعتراض على سياسات وممارسات وسلوك بعض الشخصيات السياسية، أم المطالبة بتنحية شخص معين أم مجموعة من الأشخاص في الحكم مما يستدعي عزله، وهذا العنف هو عنف جزئي لأنه يخص مجموعة من الأشخاص، أما إذا أخذ العنف شكل الثورة فانه يكـون عنفاً كلياً ضد النـظام السياسي.
فمثلا العنف السياسي ينخفض في الدول الديمقراطية نظر لوجود مؤسسات سياسية رسمية قوية، ومؤسسات وسيطة فعالة، تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين وتضبط الصراع الاجتماعي، والمشاركة عن طريق هذه المؤسسات هي مشاركة منظمة، على العكس من الأنظمة الاستبدادية التي تحارب المعارضة السياسية العلنية أن وجدت والسرية وقمعها، فالدولة هنا تمارس العنف ضد مواطنيها من خلال إساءة استخدام السلطة من قبل القابضين عليها، ولأجل هذا لا تأخذ بالتعددية الحزبية وأن أخذت بها، تبقى الأحزاب بعيدة أو مهمشة عن أجهزة الدولة، أي أنها تقوم بتغييب كل صور المشاركة السياسية الفعلية، لذلك يمكن القول آن العنف السياسي ما هو إلا رد فعل على فعل معين أو أفعال معينة.
ولأجل الخروج من دائرة العنف السياسي، لابد من زرع قيم الحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، والتخلص من قيم القمع وثقافة التسلط واحتكار السلطة وحماية حق الاختلاف وحق التعدد والتمثيل على قدم المساواة والحق في التداول السلمي والعلني للسلطة من خلال تعاقد اجتماعي بين الحكام والمحكومين، يقوم على احترام النظام الدستوري والالتزام به والتنافس السلمي وصيانة الحياة التمثيلية والاحتكام إلى الاقتراع الحر المباشر والنزيه ولابد من وضع برنامج تنموي من شأنه معالجة التهميش الاجتماعي والاقتصادي وتوزيع الثروة توزيع عادل بين فئات المجتمع وقبل كل شيء لابد من معالجة أسبابه السياسية التي تتعلق بالسلطة وتداولها والتوصل إلى تفاهمات قائمة على أسس وطنية تسمو على الاختلافات بينهم أيا كانت طبيعتها، وتعبر تعبيرا حقيقيا عن الإرادة العامة للشعب وكلهِ بين أطراف العملية السياسية.
المصادر:
1 ـ جميل مصعب محمود، ظاهرة العنف السياسي في افريقيا في ضل المتغيرات الدولية الجديدة، مجلة العلوم السياسية، العدد( 20)، كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد، السنة العاشرة، 2000, ص78.
2 ـ سعد عبد الحسين: المشاركة السياسية والقرار السياسي (دراسة حالة العراق)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2009، ص37 .
3 ـ صادق الأسود: علم الاجتماع السياسي... أسسه وأبعاده، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1990، ص589 - ص560.
4 ـ صموئيل هنتنغتون: النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة سمية فلوعبود، دار الساقي، ط2، بيروت، 2015، ص54 – ص55.
5 ـ إسراء علاء الدين نوري: ظاهرة فراغ السلطة في دول عالم الجنوب... الأسباب والنتائج، منشورات زين الحقوقية والأدبية، بيروت، ط1، 2017، ص227 .
6 ـ سمير جسام راضي: الديمقراطية والعنف، مجلة العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، العدد 36، 2008، ص174.

عن الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure