عينا - نوال السعداوي- … في وهج الشمس

اراء :: قبل 12 شهور

أخبرتُ صديقي طبيبَ العيون الأشهرَ، أن عينيّ السيدة الجميلة، اللتين لا تُغمضان في وهج الشمس، منذ ثمانية عقود، توشكان الآن على الانطفاء. وأن تلكما العينين هما جميعُ زادها في هذه الحياة؛ لأنهما الجسران اللذان تقرأ بهما وتكتب. فإن قرأتْ؛ عاشتْ، وإن كتبتْ؛ تَعلَّمنا. وأخبرتُه كذلك أن كبرياءَ تلك السيدة تمنعها من إعلان المحنة التي تمرُّ بها اليومَ، في صمتٍ وهدوء، وحيدةً في بيتها الذي يضمُّ من الكتب أكثرَ مما يضمُّ من أنفاس البشر، ويضمُّ من أوراقٍ بيضاءَ تنتظرُ أن يملأها مدادُ قلمها، أكثرَ مما يضمُّ من أثاث فخم ورياش؛ مما يجهد العاديون من البشر في اقتنائها. طمأنني الطبيبُ النبيلُ بأنه سيقوم باللازم. واطمئننتُ، ليس وحسب لأنه أحدُ أشهر أطباء العيون في الشرق الأوسط، بل لأنه إنسانٌ نبيلٌ يعرفُ قيمةَ الإنسان، ووطنيٌّ رفيعُ الطراز يعرفُ قيمةَ رموز مصر الفريدة.
هي: الطبيبةُ والروائية والمفكرة والحقوقيةُ المصريةُ النابهة، التي كرّمتها دولٌ من ثلاث قارات من العالم الأول، ومنحتها درجة الأستاذية الفخرية لقاء ما قدمت للإنسانية من علم وتنوير وارتقاء بقيمة الإنسان بوجه عام، وقيمة المرأة بوجه خاص. في حين نسي وطنُها أن يُكرِّمَها في غَمرة انشغاله بالصراعات والأزمات. هي النبيلةُ التي عاشت تمنحُ ولا تأخدُ مقابلا لما تمنح. تطالبُ بحقوق المُستضعفين، فتدفعُ هي فاتورةَ تلك الحقوق المُهدَرة، من سلامتها وأمنها وحريتها. هي الطبيبةُ التي أذبلتْ زهرةَ صباها في علاج الفقراء في نجوع مصر وقُراها، وأهرقتْ عُصارةَ روحها في مناهضة تمزيق أجساد الطفلات والصبايا وترويع أرواحهن تحت مِقصلة طقس الختان الوحشيّ؛ فتصدّى لها ذوو الذقون واللحى يُكفّرونها ويشوّهون تاريخَها ويخوضون في سيرتها، ويُحبطون ما تصنع. لكنها لم تخنع ولم تخف. وهل تخافُ مقاتلةٌ جسور؟! لم يتوقف نضالُها الفكري الجهور؛ حتى، في الأخير، تبنّى التشريعُ القضائي رسالتَها، وأمَّنتِ الدولةُ المصريةُ على وجاهة طرحها الفكري والطبيّ، ودعمها المجلسُ القومي للمرأة، وخرج إلى النور قانونٌ محترم يُجرِّمُ ختان الإناث. سوى أن المجدَ الحقيقيَّ كتبه التاريخُ للسيدة النبيلة التي جاهرت بمجابهة تلك العادة الأفريقية الفظّة، في وقتٍ مبكر جدًّا كان مجردُ التفكير في منع ذلك الطقس الدموي، ضربًا من الخيال والكوميديا. تلك السيدةُ قالت "لا للختان"، حين قالتِ الجموعُ: “نعم"، قبل أكثر من نصف قرن. هي الكاتبةُ التنويرية التي دفعت من علمها ومالها وراحتها وسنوات عمرها الشيءَ الكثيرَ من أجل حقوق الإنسان، فكرّمها العالمُ بأسره، وأنكرها "أولادُ حارتنا"! لا، لم يُنكرُها جميعُ أولاد حارتنا، بل أنكرها أبناءُ ثقافة: “قالوا له"، السمعيون الذين يسمعون ولا يتبصّرون، الذين ينقلون ولا يعقلون، الذين كسالى في القراءة، نشطاءُ في النقض والنقد، في الانقضاض والانتقاد، في الهدم والتشويه، دون بيّنة، دون برهان، ودون إدراك. لكنَّ مثقفي هذا البلد الأمين، يعرفون قدرَ تلك السيدة العظيمة، ويُجلّون شأنها، ويذهبون إلى حيث تَحُطُّ رحالها، حتى يتعلّموا كيف يُفكرون خارج الصندوق، وكيف يرفضون ما يهدمُ الإنسانَ ويُهين العقل، ويأبون إلا أن يساهموا في صنع منظومة الجَّد المصري القديم: "الحق-الخير-الجمال"، مهما كلّفهم هذا من شقاء ودماء وتعاسة. إنها د. "نوال السعداوي”. التي عيناها المثقفتان الآن في حال حرجة.
أما هو: فهو الطبيبُ العلاّمة د. "فتحي فوزي"، مؤسس مستشفى "الوطني للعيون"، وبروفيسور طب العيون في الأكاديمية الطبية العسكرية، وزميل الكلية الملكية في لندن، وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب العيون، وعضو الجمعية الأوروبية لجراحات القرنية، وغيرها من الألقاب العلمية والدولية العديدة؛ التي تجعلُ مصرَ فخورةً بابن مثله. بمجرد أن أخبرتُ البروفيسور بمحنة د. نوال السعداوي، طلب رقمها وهاتفها على الفور. دعاها للمستشفى، واستقبلها استقبالَ الملكات. ولما أنهى كشفَه، حاولتْ د. نوال دفع الڤيزيتا، فرفض قائلا: "وقِحٌ … من يأخذ منكِ مقابلا لعلاجك يا سيدتي!"
والآن، صار لِزامًا على د. نوال أن تعيش مدى حياتها على حقنة شهرية غالية الثمن، من أجل الحفاظ على ما تبقّى من نور عينيها المثقفتين. ومن أين لها بتلك التكاليف؛ وهي التي لم تعِش لتدّخر، بل لتحاربَ الظلامَ في معاركَ ... تأخذُ ولا تُعطي؟!
مثل تلك المفكرة الوطنية تستحقُّ أن تتبنى الدولةُ المصريةُ الكريمة علاجَها. ومثلها تستحقُّ أن تتقلّد "قلادةَ النيل"، تكريمًا على ما قدّمته لاسم مصرَ من أمجاد في المحافل الدولية، فكرّمتها الدولُ وكرّمت فيها اسمَ مصر الشريف. طوبى لكلّ من حمل لواءَ مصر خارج مصر. وختامُ قولي: "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن."

عن الحوار المتمدن

created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure