بين الماضي والحاضر.. عطر بغداد القديم في مقهى الشابندر

اخبار / تقاریر :: قبل 2 سنە ‌ :: 1435‌ عدد القراءات

دواڕۆژ/ زينب رشدي
حيثُ يلتقي كرخُ بغداد ورصافتها على ضفافِ دجلة, ويضوع عطرُ الذاكرة العراقية وتُراثه، وتنبعثُ الراحة في نفوس المارّة على أنغام الغزالي، نجدهُ واقفاً بغروره المُعتاد في شارعٍ يحملُ إسمه  فتتبلور الذاكرة وتُعيدُ نفسها رُغم إختلاف العصور والنفوس إلا إن بعض الأماكن لازالت تحتفظُ بكبرياء تأرخيها الذي تأبى أن تخلع ثوبه، وعلى أجمل الألحان البغدادية وأكثرها شجوناً تلك التي نجدها تنبعثُ مع رائحة الشاي العراقي وأصوات الشعراء والمثقفين من مقهى الشابندر في شارع المتنبي، هذا المكان الذي إختلف روادهُ في مناصبهم وشخصياتهم وأفاقهم الفكرية إلا إنهم جميعاً إشتركوا في عمق ثقافاتهم على إختلاف مجالاتها، ونتيجة العمق التأريخي والتُراثي لمقهى الشابندر قد تدور تساؤلات كثيرة حول ما مرّ عليها من أهم الأحداث التأريخية؟ ومن هم أهم روادها؟ وما شهدهُ هذا المقهى من قصص وحكايا؟ وما السرّ الذي تحمله في زواياها.

اسمها وتأسيسها
وقال صاحب المقهى الحاج محمد الخشالي لـ دواڕۆژ: "لقد تأسست المقهى عام 1917 على يد محمد سعيد الجلبي على رُكام مطبعة المرحوم موسى الشابندر والتي بُنيت بين عامي 1907 و1914 في العهد البرطاني إلا إن السُلطة أعتقلت موسى الشابندر نتيجة وشاية غير صحيحة من تُجار مُغرضين وإتهامه بأنه يقوم بمراسلة الأتراك، وتم نفي الشابندر خارج العراق ومُصادرت مطبعته، وبعد وفاة محمد سعيد الجلبي إلتزم إبنه محمود الجلبي المطبعة والمقهى وأعاد تفعيلها من جديد إلا إنهُ سرعان ما صفى أعماله وترك الشابندر تحت نفس الاسم نتيجة لموقعها ولمن أصولها".

جغرافيا الشابندر
وبين الحاج الخشالي إن "نتيجةً لموقع الشابندر كان يرتادها كبار الموظفين في الحكومة العراقية، والنواب والوزراء وخصوصاً في زمن الملك".

وقد ذكر الباحث التأريخي رفعت عبد الرزاق لـ "دواڕۆژ" في هذا الخصوص: إن "المقهى يعج بالمحامين ومعقبي المعاملات الحقوقية المختلفة حث كانت بناية المحاكم المدنية قبالة المقهى والتي اصبحت اليوم مركزاً ثقافيا تابعا لمحافظة بغداد، وقد كان الكثير من المحامين يتخذون من المقهى مكاناً للقاء مُراجعيهم من اصحاب القضايا او المتظلمين وامام المقهى وجدت بناية عثمانية تدعى "الأكمكخانة" او المخبز العسكري وقد بقي هذا المكان منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى السبعينات  حيث هدمت وتحولت الى عمارة  ومخازن ومكاتب قرطاسية وغيرها".

حدث في الشابندر
أشار الحاج محمد الخشالي قائلاً: "مرّت الكثير من الأحداث على الشابندر بعضها يعود الى أسباب جغرافية خاصة بموقعها والأخرى الى احداث تأريخية وبعضها نكبات مؤلمة، وأهم ما شهدتهُ الشابندر من أحداث إقامة ندوة ثقافية لتشكيل النقابات في العراق وكانت أول ندوة عام 1932 في زمن المرحوم الملك فيصل ونوري السعيد، كما شهدت المقهى تشكُل أحزاب في ذلك الوقت مثل الحزف الوطني الديمقراطي والدستوري والاعلام، وقد شهدت المقهى عام 1948 إنطلاق أكبر تظاهرة من المقهى بسبب معاهدة "بورتسموث" وبعد أن حاصر الشرطة المتظاهرين عادوا للجوء الى المقهى لحين زوال الخطر، كما شهدت المقهى الكثير من حالات القتل بسبب الثأر وذلك بسبب قرب المقهى من المحكمة المدنية كما تعرضت المقهى لحادث حرق عام 1984 وبفعل فاعل من قِبل جهات سياسية.

صاحب المقهى
وذكر الباحث التاريخي رفعت عبد الرزاق "لم يكُن الحاج محمد بن كاظم بن محمد بن سعودي بن صالح بن عبد الله بن مصطفى الخشالي القيسي البغدادي الذي ولد في محلة الحيدر خانة بالجانب الشرقي من بغداد قهوتياً بغدادياً بل جمع في شخصه الكثير من الخصال الحميدة فبين الطيبة البغدادية والشيم العراقية الأصيلة كان هذا الرجل مثالاً للشخص المثابر الدؤوب الباحث عن العلم والادب والثقافة أصبح هذا المقهى من أشهر المقاهي في العراق و إحدى معالم الحياة الاجتماعية في بغداد وأهم ما جعل مقهاه يستمر هو ميوله الأدبية والفكرية والثقافية التي جعله يحطم القاعدة التي أُشيعت إن اصحاب المقاهي ماهم إلا جهلاء لنجد إن الخشالي من محبي الادب والعلم  وممن حاول إستمرار مقهاه من خلال أدبه وحفاظه على التراث البغدادي القديم، وقد جاء من محلة عريقة حملت العديد من الاسرار العربية وجمعت هذه المحلة العديد من القوميات والأديان، وقد عمل الخشالي في معاملات البناء والاراضي "كخبير" حيث كانت الدوائر الحكومية تستعين بخبراء من خارج الدوائر الرسمية لمعرفة ما تريد معرفته، وبعد الثمانينات بدأت علاقتي بالخشالي تتوسع  فكانت تجمعنا أحاديث تأريخية عن بغداد وما فيها وقد علمت من هذا الرجل الكثير وكنت شغوفاً لحكاياه الغنية بالتأريخ وأخبار حول الماضي.

سياسة الشابندر
ذكر الخشالي قائلاً: "لقد إلتزمت المقهى منذ عام  1963بعد أن كان إسماعيل صفوت مستأجراً لها، لأكون بذلك أخر من يلتزم بالمقهى وقد منعت خلال الفترة التي آلت إلي المقهى والى اليوم أي من المظاهر السياسية أو الميول الدينية وفضلت أن يكون المقهى ثقافي وعلمي وأدبي خالص، كما إني أزلت أي طقوس أو العاب تعمل على لهوّ الجالسين عن الثقافة فقد منعت ألعاب "الطالولي" و "الدومنة" وغيرها، كما عملتُ جاهداً على المحافظة على المظهر التراثي والفولكلوري للمقهى بالرغم من التكنولوجيا التي وصل إليها العراق اليوم إلا إن الشابندر حافظت على التراث العراقي ونحن نحاول الحفاظ على وضعها لتكون مكان لجذب المثقفين.

حدث أليم
ذكر الحاج محمد الخشالي "إن من أعظم الأحداث التي مرت على الشابندر وأكثرها إيلاماً كان في تأريخ 27 أذار 2007، حيث حصل إنفجار عظيم بالقرب من المقهى أدى إلى إستشهاد ما يُقارب 68 شهيداً من بينهم خمسة من أبنائي، كان هذا الحادث إليماً على شارع المتنبي بشكل عام كما إنهُ أكثر وجعاً وإيلاماً عليّ أنا باعتباري فقدت خمسة من أبنائي، إلا إنني أقولها بصدق إني مستعد مسامحة من فعل ذلك فقط من أجل أن يعم السلام من جديد في بلادي.

بعد أشهر من تفجير المتنبي والمقهى قُمنا بإعادة ترميمها من جديد و أُفتتح المقهى بحُلتهِ الجديدة في 8 كانون الأول عام 2008،  وعُدنا بمنتهى القوة محاولين الاستمرار بمسيرة الحياة.

رواد المقهى
وقال الخشالي: "لم يتغير الزبائن بين اليوم والغد سابقاً كان النواب والمدراء العامين وشيوخ العشائر يلتقون كل صباح في المقهى وخصوصاً ممن يعملون في دوائر قريبة من المقهى واليوم يجوبها عدد كبير من المثقفين والمفكرين والقضاة والمحامين والفنانين".

بدوره ذكر الباحث والمؤرخ رفعت عبد الرزاق فيما يخص رواد الشابندر قائلاً: "إن الوزراء ومجلس الوزراء والنواب كلهم يسكنون في الاماكن القريبة من المقهى كما إن دوائر عملهم بالقرب من المقهى أو إنهم يمرون به ويجلس رجال السياسة والقانون يقضون كثير من الوقت فيه لقربه من المحاكم، كنت صغيرا عندما رأيت الشابندر وما يعج به في منتصف الستينات كنت أرافق خالي الذي كان لهُ مكتب للرسم الهندسي بالقرب من شارع المتنبي، وممن كانوا يرتادون بشكل مستمر بالمقهى المرحوم خضير البياتي  وهو احد العارفين بأحوال بغداد وقراء المقام فيها وقد كان خبيراً بالمقام و أصوله بشكل كامل، وقد ارتاد المقهى وجهاء الأسر البغدادية القديمة وأُباء وشعراء من بينهم الشاعر عبد الرحمن البناء صاحب جريدة بغداد والشاعر أدهم الزهاوي وخضير الطائي ومؤلفي المسرحيات الشعرية أمثال عبد الستار القره غولي و مربي الاجيال ورجل السيف والقلم المعروف نعمان ثابت عبد اللطيف صاحب ديوان شقائق النعمان وعلي ظريف الاعظمي صاحب مجلة الاقلام والحقوقي المعروف حسين الظريفي والمرحوم عبد الكريم العلاف صاحب مجلة الفنون، والمطرب العراقي محمد القبنجي.

ولازالت جدران المقهى تغص بالصور النادرة لأحداث وأعلام ومواضع مختلفة من العراق، ولعل المجموعة النفيسة المحفوظة في المقهى من أكبر المجاميع الوثائقية المصورة والمعروضة، إلا إن نكبة 2007 قضت على مجموعة هائلة من الصور والتي كانت محفوظة في المقهى ولازال صاحب المقهى يتعرض لحالات تهديد وابتزاز الا انه في كل مرة يخرج منتصرا من حزنه  وذلك لأن المقهى وبحسب قوله "دمه وعروقه"، ولاتزال المقهى متعلقة بشارع المتنبي، فالشابندرهي باب من أبواب المتنبي ومن أراد الدخول للمتنبي عليه أن يدخلها من بابها فمن يزور المتنبي لابد له من دخول الشاهبندر.


created by Avesta Group and powered by Microsoft Azure